|
إختار بالموضوع
|
|
دفاعاً عن حرية الفكر والإبداع
" الضبطية القضائية للأزهر مطرقة على حرية الفكر"
تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
21 اكتوبر 2004
مقدمة :
لم تعد الرقابة على الأعمال الأدبية والفنية في مصر حكراً على أجهزة الدولة فحسب، بل أصبح هناك دور للمؤسسات الدينية متمثلة في الأزهر يضاهي دور أجهزة الدولة في هذا المجال- بعد أن كان دوره قاصراً على متابعة المصاحف وكتب الحديث النبوي الشريف وكذلك الكتب التي تناقش موضوعات دينية ومسائل في التاريخ الإسلامي وفي السيرة النبوية للتأكد من صحتها -ففي يناير1994 قام شيخ الأزهر آنذاك بإرسال خطاب إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة يطلب فيه إصدار فتوى قانونية حول تحديد اختصاصات الأزهر في التصدي للأعمال الفنية والمصنفات السمعية والبصرية ، وأصدر المجلس فتوى تؤكد أن للأزهر وحده الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص للمصنفات السمعية أو السمعية البصرية. وبصدور تلك الفتوى نجح الأزهر في إيجاد سند قانوني لتلك الرقابة التي اعتاد أن يفرضها على أراء وأفكار المبدعين دون أي سند قانوني .ومن أمثلة ذلك البيان الصادر من لجنة علماء الأزهر بتكفير المفكر "فرج فودة" والذي كان بمثابة ضوء أخضر ستند إليه بعض المتعصبين دينياً في تنفيذ جريمة اغتياله . وقد جاءت هذه الفتوى بالمخالفة لنصوص المواد 49،48،47 من الدستور المصري والتي تقر حرية التعبير بشتى الصور وحرية الإبداع الأدبي والفني والثقافي ، كما تتعارض مع أحكام المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، والذي أصبح جزء من القانون المصري بعد التصديق عليه. ومؤخراً تم تكفير الكاتب أسامة أنور عكاشة والتشكيك في إيمانه ، والسعي إلى تفريقه عن زوجته في أروقة المحاكم ، وذلك لمجرد أنه قال رأياً مخالفاً - لمن يعتبرون أنفسهم أوصياء على الإسلام والمسلمين - في عمرو بن العاص .
وبعد ذلك جاء قرار وزير العدل المستشار فاروق سيف النصر الصادر في 2/8/2003 ، ولكن بدء في تطبيقه في شهر مايو الماضي ، ونص القرار على منح عشرة من رجال الأزهر سلطة ملاحقة المصاحف التي توزع في الأسواق من دون موافقة أو تصريح من الأزهر وتحريك القضايا الجنائية ضد موزعيها، وأعطى القرار للشيوخ العشرة حق اتخاذ الإجراءات نفسها ضد ناشري كتب الحديث، إذا رأى مجمع البحوث أنها "تحوي ما يسيء إلى الإسلام وتخالف أحكام القانون رقم 102 لعام 1985 " ، ونتيجة لذلك هيمنت على الساحة المصرية حالة من الخوف والهلع لاسيما في أوساط جمعيات ومراكز حقوق الإنسان واتحاد الكتاب والمفكرين والأدباء والمثقفين ، والتي وصفت القرار بأنه بمثابة ردة ونكسة لحرية الفكر والإبداع ، وعودة لعصور محاكم التفتيش التي تجعل للشيوخ الحق في الرقابة على سوق النشر، مؤكدة أن القرار يهدد بشكل أساسي فلسفة الدولة المدنية ويشجع فكرة الدولة الدينية ، بل وصف بعضهم القرار بمثابة "سلك مكهرب" بين الأزهر والإبداع ، قد يحول الهدف من الضبطية من ضبط التحريف في النصوص إلى ضبط العقل والإبداع ، في حين كان الأمر داخل مجمع البحوث الإسلامية مختلفاً تماماً, فالأمين العام وعلماء الأزهر يؤكدون أن سلطة الضبطية القضائية حق للأزهر, وأن القرار يهدف فقط مواجهة الأفكار الضالة التي تهدد فكر وكيان المجتمع ، وهو ضرورة لضبط فوضى الإصدارات ، وتحفظ عدد كبير من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية على أن يكون دور الأزهر استشارياً إذ أكدوا على أن دور علماء الدين لا ينبغي أن يكون مقصوراً على إبداء الرأي فقط .أما الحكومة المصرية فقد دافعت عن نفسها على لسان صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني والذي صرح قائلاً" أنه لا رقابة على حرية التعبير والإبداع ، وان قرار وزير العدل لا يختص بكل أوجه التعبير أو الإبداع ، وإنما يقتصر فقط على التعامل مع الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام القانون رقم 102 لسنة 1985 بشان تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية والخاصة بجرائم تحريف المصحف والأحاديث وانه لن يتخطاه إلى المصنفات الفنية أو الصحف أو أي وسيلة من وسائل التعبير" .
ومنذ صدور القرار الذي يبيح للأزهر حق الضبطية القضائية ومصادرة الكتب التي لا تتفق مع الإسلام الصحيح، وشهية الشيوخ تزداد نهماً وشراهة ، وعدد الكتب المصادرة يتصاعد ويرتفع وتفسير الإسلام الصحيح يصير فضفاضاً ليصبح الإسلام هو الأزهر فقط، وبالتالي تم تأميم الدين لصالح القابعين تحت القبة الأزهرية ، وأصبح كل من يفكر خارج الفلك الأزهري إما مارق أو كافر .
ولكن الأزهر لم يقم بمنع الروايات والدواوين التي يعتبر أن فيها إساءة للإسلام فقط، بل إنه أصبح يصادر حتى كتب الفكر والاجتهاد الديني ، مثل ما حدث مؤخراً مع كتاب المفكر الإسلامي جمال البنا المعنون "مسؤولية فشل الدولة الإسلامية في العصر الحديث" ، والذي منَّع من قبل مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر ، لإباحته زواج المتعة للمسلم المقيم في الدول الأجنبية ، واستخدام القبعة لتغطية شعر المرأة في هذه البلاد بدلاً من الحجاب ، ومن قبله رواية " سقوط الامام " للكاتبة نوال السعداوي، والتي صدرت قبل عشرين سنة ، واعتبر المجمع أنها رواية قائمة على أحداث خيالية البطل فيها شخصية محورية ، أطلقت عليه الكاتبة صفة الإمام وتضمنت إساءات بالغة للإسلام وتعاليمه ، كما منعت كتب أخرى مثل كتاب "الماسونية ديانة أم بدعة" للمؤلف إسكندر شاهين ، وقد اعتبرت لجنة الفحص أن الكتاب يروج للماسونية التي تحارب كل الأديان وفي مقدمتها الإسلام ، بالإضافة إلى كتابي "نداء الضمير" و" مدينة معاجز الأئمة الأثني عشر ودلائل الحج على البشر" .وثمة ذكريات أخرى مريرة ما تزال تحتفظ بها ذاكرة الفكر العربي , وللمرء أن يتذكر محنة علي عبد الرازق صاحب الكتاب الشهير " نظام الحكم في الإسلام " , و قضية طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي".
ويأتي هذا التقرير " الضبطية القضائية للأزهر مطرقة على حرية الفكر" ، ليطرح مجموعة من التساؤلات آلا وهي ، هل ينصب دور مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف على ضبط المصحف الشريف والأحاديث النبوية حتى لا يجرؤ أحد على تحريفهما ، أم يمتد هذا الدور إلى الرقابة على جميع الكتب والتفتيش فيها(!) ،خاصة الكتب الأدبية وتأويل أجزاء منها تأويلاً يؤدي إلى مصادرتها ، وهل يمثل منح الضبطية القضائية لمفتشي الأزهر عودة لعصور محاكم التفتيش وردة على فكرة الدولة المدنية أم أن هذه الضبطية تهدف إلى حماية الدين والثقافة الإسلامية فقط ، وماهية التشريع المنظم لدور الأزهر فيما يتعلق بحرية الإبداع ، وهل من المقبول أن تتحول مؤسسة علمية تختص بدراسة العلم الشرعي - كالأزهر الشريف - إلى ممارسة دور رقابي على حركة التأليف والمصنفات الأدبية والفنية،وهل لرجال الدين أن يمارسوا نوعاً من الولاية والوصاية على حرية الفكر والإبداع ؟، وهل من حق المبدعين والفنانين أن يقلقهم هذا التحول وهذا الدور؟ ولماذا ؟ ، وهل من المعقول أن تستمر السلطات المصرية في مواجهة ثورة المعلومات والاتصالات عبر ملاحقة الأفكار ومنع المطبوعات ؟ ، وكيف السبيل إلى الموازنة بين الحق الإنساني في حرية الفكر والتعبير وبين الحق الثقافي في حماية القيم والمعتقدات؟ .
وللإجابة على تلك التساؤلات جاء التقرير متضمناً الأقسام التالية :
القسم الأول : حرية الفكر والإبداع وبدايات المحاصرة
ويتناول بالرصد والتوثيق الكتب والروايات والدواوين التي تمت مصادرتها بدءاً من فترة العشرينات وحتى التسعينيات والتي تزامن صعود التيارات الإسلامية المتطرفة فيها مع تزايد الدور الرقابي لمؤسسة الأزهر، مما أدى إلى تصاعد حملات التكفير ضد الصحفيين والكتاب والمفكرين ، وكذلك تصعيد حملات العنف ضدهم بدئاً من اغتيال المفكر العلماني د.فرج فودة في يونيو1990 ، ووصولاً إلى محاولة اغتيال الأديب الكبير نجيب محفوظ في أكتوبر 1994.
وقد شهدت فترة التسعينيات أيضاً ، قيام الأجهزة الأمنية بمصادرة العديد من الكتب والأعمال الفكرية، إما لأنها تمس نظام الحكم الذي تخشى السلطة من الاقتراب منه ، وإما إرضاء للتيارات الإسلامية المتعصبة والذي تكتسب الدولة منها الشرعية . كما يتضمن هذا القسم قائمة بالكتب التي صودرت في مطلع التسعينيات وحتى الآن، والتي بلغ عددها حوالي 81 كتاباً .
القسم الثاني : الأزهر والمزيد من القيود على الحياة الفكرية
ويتناول التشريع المنظم لدور الأزهر فيما يتعلق بحرية الإبداع ، والفتوى القانونية -التي أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة بناء على رسالة وجهها شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي للجمعية - حول تحديد اختصاصات كل من الأزهر الشريف ووزارة الثقافة في التصدي للأعمال الفنية والمصنفات السمعية أو السمعية البصرية التي تتناول قضيا إسلامية أو تتعارض مع الإسلام ومنعها من الطبع أو التسجيل أو النشر أو التوزيع والتداول إعمالاً للصلاحيات المخولة لكل منهما بمقتضى القوانين واللوائح .
كما أوضح هذا القسم أيضاً صور تدخل الأزهر الشريف في الرقابة على حرية الفكر والإبداع خلال عهدي الشيخ جاد الحق علي جاد الحق والشيخ سيد طنطاوي ، وعرض للضوابط التي وضعها مجمع البحوث الإسلامية في عهد الثاني للرقابة على تلك الحرية ، وفي ضوء تلك الضوابط صودرت العديد من الكتب والمطبوعات ومن أمثلتها كتب "الإجهاض ضرورة قومية والاعتقاد ضرورة علمية " للدكتور محمد عبد المعطي ، و"هذا قرأني " للكاتب محمد عبد الرازق عفيفي ، و"زواج المتعة الحلال بين الدين والتطور والقانون" للمؤلف أحمد سالم ، وغير ذلك من أمثلة .
القسم الثالث : حماية الدين وحرية الفكر.... إشكالية تبحث عن حل
ويوضح هذا القسم الآراء من قرار منح الضبطية القضائية لمفتشي الأزهر ، والتي تمثلت في وجهتي نظر ، أولهما يمثلها رجال الدين ومشايخ الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية ، والذين أكدوا أن منح الضبطية القضائية للأزهر لا يعني عودة محاكم التفتيش أو مصادرة الإبداع ، ولكن الهدف من ذلك حماية الدين والثقافة الإسلامية وتجريدها من الشوائب والمدسوسات والخرافات ، لاسيما بعد أن اجتاحت الأسواق موجة شرائط كاسيت ومؤلفات تحمل أخطاء جسيمة وكذلك مصاحف تحوي أخطاء في السور والآيات . وثانيهما يمثلها المفكرين والأدباء وناشطي حقوق الإنسان ، ومنذ البدايات الأولى للإعلان عن القرار أعربوا عن رفضهم له باعتباره قيد إضافي على حرية الفكر الإبداع وردة على فلسفة الدولة المدنية، وسيعطي دور للأزهر أوسع مما يقرره القانون الذي يقصر دوره علي البحث في القرآن والسنة والشريعة وما يتعلق بها ، مؤكدين أنه برغم تحديد قرار وزير العدل مهمة الأزهر في تنظيم طبع المصاحف والأحاديث النبوية، ولكنه ما هو الضمان أن لا يكون القرار وسيلة لانتهاك حرية الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد التي فوق القانون نفسه وفوق النصوص الدستورية ؟ .
القسم الرابع :نوال السعدواي و جمال البنا نموذجاً
ويتناول هذا القسم بشيء من التفصيل حالتي نوال السعداوي وجمال البنا باعتبارهم ضحايا منح الضبطية القضائية للأزهر ، فقد جاء قرار المنع الاعتباطي من قبل مجمع البحوث الإسلامية لرواية "سقوط الإمام" للسعدواي ، برغم أنها قد صدرت قبل عشرين عاماً عن دار المستقبل المصرية ولم تتعرض لأي قرار بمنعها من الأزهر أو من غيره ، وترجمت إلى 14 لغة من بينها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والسويدية والاندونيسية ، وتم إعادة طبعها مرات عدة باللغة العربية .أما بالنسبة للمفكر الإسلامي جمال البنا ، فقد أوصى أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية في شهر أغسطس الماضي بمصادرة كتابه"مسؤولية فشل الدولة الإسلامية في العصر الحديث ".ومنعه من الطبع والتوزيع، برغم من أن هذا الكتاب مطبوع منذ عشر سنوات مضت!.
القسم الخامس : التوصيات
ودفاعاً عن حرية الرأي والتعبير والفكر والإبداع ، توصي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في تقريرها بعدة توصيات، ولعل أهمها ، إلغاء قرار وزير العدل -والذي يعتبر مجرد قراراً إدارياً وليس قانونا-ً بمنح الضبطية القضائية لمفتشي الأزهر، وذلك لمخالفته لقانون الأزهر ولائحته التنفيذية، فالأخير لا يمنح سوى صلاحية الرأي لمجمع البحوث الإسلامية ، في حين أن الأمور الخاصة بحرية الفكر والأدب والإبداع لها مختصيها ، ولا علاقة لها برجال الدين ، وكذلك لمخالفته الصريحة لنصوص الدستور والمواثيق الدولية ، والتزام الحكومة المصرية بالدستور فيما يخص الحق في حريات الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد ، فقد نصت المادة (49) من الدستور على أن "تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الفني والثقافي ، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك" ، وضرورة تنقيح البنية التشريعية من النصوص التي تمثل انتهاكا للحق في حرية الرأي والفكر والاعتقاد ، والالتزام بالمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان والتي تكفل حرية الفكر والتعبير والفكر والإبداع ( المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) والتي أصبحت جزء من القانون المصري بعد التصديق عليه ، ورفع وصاية رجال الدين على الفكر والأدب والفن في مصر ، وذلك في إطار ما سبق وإن طالبت به المنظمة المصرية لحقوق الإنسان مراراً من ضرورة إسقاط كل القيود على حريات الرأي والتعبير ، وإلغاء كافة صور الرقابة على الصحافة والنشر وتداول المطبوعات ، وكافة أشكال الإبداع الأدبي والفني ، وذلك أن القانون أناط بوزارة الثقافة مسئولية الرقابة على المصنفات الفنية والسمعية .
القسم الأول : حرية الفكر والإبداع وبدايات المحاصرة
في عام 1926 وجد الشيخ علي عبد الرازق نفسه في ورطة حقيقية بسبب كتابه الصغير المؤثر "الإسلام وأصول الحكم" فقد كفره البعض وفصل من وظيفته وصودر كتابه ، وأجبر صاحبه على الصمت المطبق وتغيير وجهته حتى وافته المنية ، وفي عام 1927 تعرض طه حسين لنفس الموقف بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي" وأجبرته الضغوط النفسية التي تعرض لها على أن يعدل في أجزاء من كتابه ، بل وقد اتهمه البعض بالكفر غير أن القضاء برائه ، وهوجم كتاب "ابن رشد وفلسفته" لفرح أنطون بضراوة لأنه أعتبر أن ما أتى به هذا الفيلسوف الإسلامي من أفكار يصلح لأن يكون أساساً للعلمانية ، وأدى الهجوم عليه إلى إغلاق مجلة "الجامعة" التي كان يصدرها أنطون . وتوالت سلسلة تكفير التفكير ومصادرته في كتاب " مقدمة في فقه اللغة العربية" للويس عوض وكتاب " الحسين ثائراً وشهيداً لعبد الرحمن الشرقاوي و"سوسيولوجيا الفكر الإسلامي" للدكتور محمود إسماعيل، وقد وصل الأمر إلى حد المطالبة داخل أروقة مجلس الشعب عام 1978 بإحراق كتاب "ألف ليلة وليلة" وكتاب "الفتوحات المكية" للصوفي الكبير محي الدين بن عربي .
وقد شهدت فترة الثمانينات مصادرات عدة للعديد من الكتب والأعمال الأدبية والفنية سواء من قبل أجهزة الدولة أو مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر ، ففي عام 1989 صودر كتاب "الله الواحد في الثالوث " الذي جرى تداوله منذ عام 1965 ، وخلال نفس العام صودر من معرض القاهرة الدولي للكتاب ، كتاب " الانتخابات الطلابية في الجامعات المصرية".
أما بالنسبة للأزهر ، فبرغم أن القانون 102 لسنة 1985 قد حصر دور مجمع البحوث الإسلامية في مراقبة ما يطبع وينشر من القرآن والسنة فقط ، إلا أن هذا الدور قد توسع عملياً ليشمل عدداً من الكتب التي تتعرض بالمناقشة لقضايا تاريخية وفكرية في الإسلام من مواقع مخالفة لموقع القائمين على شئون الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية ، ومن الأمثلة البارزة ، ما حدث لكتاب "الإسلام والقرن الهجري الخامس عشر" الذي صودر بناء على طلب الأزهر ، ثم حكم القضاء ضد المصادرة ، بعد أن تبين أن حيثيات طلب المصادرة لا صلة لها بالأمور الدينية بل لأسباب فكرية وسياسية .
وفي فبراير عام 1988 أصدرت إدارة البحوث والترجمة والنشر بمجمع البحوث الإسلامية قراراً بمصادرة عدة كتب من المعرض الدولي للكتاب المقام بالقاهرة حينذاك ومنع تداولها وهي:
1- مواجهة الفكر المتطرف في الإسلام .
2- قضية الحكم بما أنزل الله .
3- فتنة العصر الحديث -تطبيق الشريعة الإسلامية بين الحقيقة وشعارات الفتنة.
4- أبو هريرة (صادر في لبنان) .
5- المسلمون العلويون في مواجهة التجني (صادر في سوريا) .
وفي نفس العام ، توجه ضابط بالأمن إلى ناشر كتاب" رسائل جيهمان العتيبي" لمصادرة الكتاب ومنعه من التداول ، بناء على قرار شفوي صادر من مجمع البحوث الإسلامية .
وجاء عقد التسعينيات من العقد المنصرم ليشهد موجة عارمة من مطاردة الفكر المختلف ومحاصرة أصحابه وتجريمهم ، فقد تزامن صعود التيارات الإسلامية المتطرفة مع تزايد الدور الرقابي لمؤسسة الأزهر، مما أدى إلى تصاعد حملات التكفير ضد الصحفيين والكتاب والمفكرين ، وكذلك تصعيد حملات العنف ضدهم بدئاً من اغتيال المفكر العلماني د.فرج فودة في يونيو1990 ، ووصولاً إلى محاولة اغتيال الأديب الكبير نجيب محفوظ في أكتوبر 1994:
1 - فرج فودة:
يعد د. فرج فودة من أبرز المفكرين العلمانيين والذي ذهب في معظم كتاباته إلى الدفاع عن حرية الفكر والعقيدة وحقوق الأقليات ودحض الأصول الفكرية لتيار الإسلام السياسي ، وجاء اغتياله في يونيو 1990 وذلك بعد أيام قلائل من انتهاء ندوة علماء الأزهر والتي استصدرت بيانا يعد بمثابة تحريض سافر على القتل حيث وصفته بأنه من إتباع اتجاه لا ديني وشديد العداوة لكل ما هو إسلامي وأعلن متحدث باسم الجماعة الإسلامية عقب حادثة الاغتيال أنهم نفذوا العقوبة الشرعية لعريضة الاتهام التي أعلنها الأزهر
2- نصر حامد أبو زيد:
تبدأ وقائع هذه الحالة عندما تم رفض ترقية الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي كان يعمل أستاذا مساعدا بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة إلى درجة الأستاذية وحرمانه منها بسبب آراؤه الفكرية المنشورة في أبحاثه العلمية ووصفها بأنها تنطوي على الردة ، وبدأت حملة تشهير ضده امتدت من الصحف إلى المساجد ثم إلى ساحات المحاكم ، عندما صدر حكم قضائي بالتفريق بينه وبين زوجته وإجباره على السفر للخارج .
3- نجيب محفوظ:
وقعت محاولة اغتيال الأديب الكبير نجيب محفوظ في أكتوبر 1994، عندما قام أحد العناصر المنتمية للجماعة الإسلامية بطعنه بسكين في رقبته ، وكان الأديب قد تعرض لحملة شرسة تؤيد استمرار الحظر على روايته المعنونة " أولاد حارتنا "، ووصلت الحملة إلى ذروتها عندما أصدر عمر عبد الرحمن فتوى بإهدار دمه باعتباره كافر لم يعلن توبته على الرواية التي كتبها وصودرت منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً.
بدايات تصاعد الدور الرقابي للأزهر :
ولم يكن الأزهر بعيداً عن هذه الحملات التي انتهكت الحقوق الأساسية للفكر والتعبير ، وبرغم أن قانون الأزهر - القانون 103 لعام 1961 -قد خول مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر حق مراقبة بعض الكتب ، إلا أنه قصرها على كتب القرآن والسنة ، ولم يمنحه حق القيام بالمصادرة بنفسه ، بل قصره على حق التوصية بذلك فقط ، غير أن لجنة من مجمع البحوث قامت بمصادرة ثمانية كتب بنفسها ، من معرض القاهرة الدولي الرابع والعشرون للكتاب ، مما يشكل انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير والفكر والإبداع الأدبي والفني والتي كفلتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ، واعتداء على الدستور والقانون ، بما في ذلك قانون الأزهر ذاته . وهذه الكتب هي :
1-كتب المستشار محمد سعيد العشماوي
قوبلت كتب المستشار العشماوي بهجوم شرس وصل إلى حد تكفيره من قبل بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة ، وفي السابع من يناير 1992 ، قلمت لجنة من مجمع البحوث الإسلامية ، بالتفتيش (1) على معرض الكتاب ، وصادرت بنفسها (!) خمسة كتب من جناح دار سينا للنشر بالمعرض دون إبداء أي أسباب ، وهذه الكتب جميعها من تأليف القاضي والمفكر المعروف المستشار سعيد العشماوي ، وهذه الكتب هي ( أصول الشريعة صدر في عام 1979 ، 3 طبعات ، والإسلام السياسي 1987 ، طبعتان ، والربا والفائدة في الإسلام 1988 ، والخلافة الإسلامية 1990 ، ومعالم الإسلام 1990 ) .
2-كتاب " قنابل ومصاحف " للكاتب والصحفي عادل حمودة
في 11 يناير 1992 ، قامت اللجنة بمصادرة كتاب" قنابل ومصاحف" من دار سينا للنشر بمعرض الكتاب للكاتب والصحفي عادل حمودة ، والذي صدر في عام 1985 ، ثلاثة طبعات .
3-كتاب" خلف الحجاب -موقف الجماعات الإسلامية من قضية المرأة" للكاتبة سناء المصري
في 11 يناير 1992 ، قامت اللجنة بمصادرة كتاب "خلف الحجاب -موقف الجماعات الإسلامية من قضية المرأة" ، للكاتبة سناء المصري والذي صدر في عام 1989 .
وقبل مصادرة تلك الكتب ، قامت مباحث المصنفات الفنية في مارس 1990 بمصادرة رواية "مسافة في عقل رجل" للأديب علاء حامد ، بناء على مذكرة من مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر ، بدعوى أن الرواية "تحتوي الحاداً وكفراً وإنكاراً للأديان " ، وطالب الأمين العام للمجمع بمحاكمة مؤلفها .يذكر أن الرواية قد صدرت في أبريل 1988 وقامت مؤسسة الأهرام بتوزيعها .
وفي 25 ديسمبر 1991 أصدرت محكمة أمن الدولة (طوارىء) حكماً بسجن الأديب علاء حامد 8 سنوات وغرامة مقدرها 2500 جنيه مصري ، بعد أن أدانت روايته" مسافة في عقل رجل باعتبارها تشكل تهديداً لما سمي بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي ، وقد افتقدت المحاكمة للحد الأدنى من الضمانات القانونية ، حيث لم يتح القاضي للمحامين عرف دفاعهم وأصدر حكمه أيضاً ضد محمد مدبولي أحد موزعي الرواية ، وفتحي فضل المتهم بطبعها .
وكانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان قد أرسلت آنذاك التماس إلى د0 عاطف صدقي رئيس الوزراء تناشده استخدام سلطاته في عدم التصديق على الحكم الصادر ضد كل من الأديب علاء حامد ومحمد مدبولي وفتحي فضل ، باعتبار ذلك يشكل انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير والإبداع الفني والأدبي.
وخلال عام 1990 ، قامت شرطة الرقابة على المصنفات بمصادرة كتاب "غريب في وادي الملوك" بناء على طلب الأزهر ، وقد تناول الكتاب بأسلوب التحقيق الصحفي، ما أثير حول العثور في مصر على الهيكل العظمى للبني يوسف (عليه السلام) .
وفى نفس الوقت الذي كانت تمتد فيه يد الأزهر للمصادرة على حرية الفكر والإبداع أو تتعالى فيه أصوات التيارات الإسلامية المتطرفة والمعادية للحرية تطاوئت أيضاً الأجهزة الأمنية، وقامت بمصادرة العديد من الكتب والأعمال الفكرية إما لأنها تمس نظام الحكم الذي تخشى السلطة من الاقتراب منه ، وإما إرضاء للتيارات الإسلامية المتعصبة والذي تكتسب الدولة منه الشرعية ، وهذه بعض الأمثلة :
1- كتاب "النبي المسلح" و "الاسلامبولى ورؤية جديدة لتنظيم الجهاد" للكاتب رفعت سيد أحمد ويرصد الأول تطور حركة الجماعات الإسلامية في مصر، أما الثاني فيتضمن تفصيلات عن محاولة اغتيال الرئيس السادات ، وقد طبع الكتابان في قبرص وحاول الناشر والمؤلف استصدار تصاريح لإدخالهما وعرضهما بمعرض القاهرة الدولي للكتاب ، ولكن تم مصادرتهما ، ومنعا من التداول ، وكان ذلك في عام 1991.
2-" إسرائيل القوة الغاشمة " للمؤلف ملازم أول شرطة شريف محمد أبو الفتوح، والذي شرع في نشر هذا الكتاب من قبل مؤسسة مدبولى عقب تلقيه موافقة شفهية من القائمين عليها، إلا انه فوجئ بإحالته للتحقيق وإيداعه في مصحة نفسية في الفترة من 8/6/1994 وحتى 5/7/1994 وفى 8/8/1994 صدر قرار وزاري بإحالته إلى الاحتياط ، وعندما تقدم بتظلم حول إلى مجلس تأديب ووجهت إليه الاتهامات الآتية : الانضمام وتحبيذ فكر جماعة غير مشروعة " الإخوان المسلمين "، والسعي لدى بعض الجرائد لنشر مقاطع من الكتاب، وتقديم استقالة مكتوبة عبر فيها عن كراهيته للنظام الحاكم، وقد أيد مجلس التأديب قرار إحالته للاحتياط فيما ظل الكتاب مصادراً لدى مباحث أمن الدولة ، ومن جانبه أقام أبو الفتوح دعوى قضائية بطلب إلغاء قرار إحالته للاحتياط أمام القضاء الإداري ، في حين أن هذا الكتاب ما هو إلا دراسة تحليلية للقوى السياسية لإسرائيل والمجتمع الإسرائيلي .
3-كتاب " لماذا نقول لا لمبارك في الاستفتاء الرئاسي القادم " للدكتور حلمي مراد والأستاذ عادل حسين ، ففي أكتوبر 1993 صادرت السلطات المصرية ذلك الكتاب الذي يتضمن مجموعة من المقالات التي تنطوي على رفض ترشيح وانتخاب الرئيس مبارك لفترة رئاسة ثالثة ورصد لبعض عيوب الفترتين السابقتين ورفض الدعوة للاستفتاء الشعبي.
4-كتاب " عمر عبد الرحمن الزلزال الذي هز العالم " للمؤلف عصام كامل أحمد ، وذلك بتهمة تبنى أفكار متطرفة ومحاولة الترويج لها والإساءة لجهاز مباحث امن الدولة والتشكيك في وطنيته في حين أن الكتاب يتتبع ظهور الجماعة الإسلامية في مصر وعلاقتها بتنظيم الإخوان المسلمين منذ السبعينات وحتى الآن.
5-كتاب " من قتل المحجوب" للمؤلف منتصر الزيات ، ففي أكتوبر 1993 داهمت مباحث أمن الدولة المطبعة التي كان يطبع فيها الكتاب وتحفظت على النسخ والأوراق المستخدمة في الطبع وأفادت مباحث أمن الدولة المؤلف أن هذا قراراً صادراً عن النيابة العامة فتوجه إليهم فأفادوه بأنه لا يوجد مثل هذا القرار فقام بإعادة طبع الكتاب من جديد بإحدى المطابع فصادرته مرة أخرى فقام المؤلف بإرسال إنذار على يد محضر لوزير الداخلية فلم يتلقى إجابة. ويعرض الكتاب لوقائع محاكمة المتهمين في قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت وعرض لأقوال المتهمين ودفاعهم ومرافعة النيابة وبعض الصور الشمسية للمحاكمة.
6-كتاب " حركة أل البيت " للمؤلف صالح الوردانى، ففي أغسطس 1992 داهمت مباحث أمن الدولة المطبعة وصادرت الكتاب الذي كان يعرض لحركة الخلافة الفاطمية في مصر وتطورها.
7-كتاب " لماذا نمقت اليهود " للكاتب احمد عبد العظيم إبراهيم والذي قبضت عليه مباحث أمن الدولة في أغسطس 1994 وصادرت الكتاب من المطبعة ووجهت إليه تهمة الانضمام لجماعة غير مشروعة وإحراز منشورات تحض على تعطيل الدستور، وكان هذا الكتاب يتضمن نقدا لاتفاقية كامب ديفيد واستعراض لتاريخ اليهود.
8- كتاب " هموم قبطية" للمحامي موريس صادق ، ففي أكتوبر 1994 أثناء طبع الكتاب حضر أحد ضباط الرقابة على المصنفات الفنية بوزارة الداخلية ونبه على المؤلف وصاحب المطبعة بعدم نشر الكتاب وطلب بعرضه على الرقابة على المصنفات الفنية لاتخاذ قرار لطبعه ، ويتناول الكتاب هموم الأقباط في مختلف المجالات من حيث ممارسة الشعائر الدينية والعمل السياسي وآراء لقداسة الباب شنودة الثالث .
9-حالة حقوق الإنسان في مصر سنة 1993 صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، ففي 19/9/1994 تلقت المنظمة المصرية من مؤسسة أخبار اليوم والأخبار إخطاراً بأنها قد تلقت تعليمات شفوية من أجهزة الأمن بالامتناع عن طرح التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في مصر في الأٍسواق .
وهناك أمثلة أخرى كثيرة ، ففي معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1994 تمت مصادرة العديد من الكتب بمعرفة جهاز الرقابة على المصنفات الخارجية بوزارة الثقافة ، حيث نقلت من مقر دار الهدف داخل المعرض إلى مقر الرقابة بالعتبة ، ولم يتم إعادتها للدار بعد ذلك أو إعادة تصديرها للخارج .
القسم الثاني : الأزهر والمزيد من القيود على الحياة الفكرية
بمراجعة النصوص القانونية المنظمة لدور الأزهر وإدارته في الرقابة على حريات الإبداع ، نجد أنه لا يوجد نص صريح وواضح يكفل للأزهر القيام بمراقبة الإبداع الأدبي والفني ، فكل ماله هو تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسٍلامي من بحوث ودراسات لينتفع بما فيها من رأي صحيح أو يواجه الرأي الخاطىء بالتصحيح ، وهي مهمة فكرية بالأساس ، ولا علاقة لها بإبداء الرأي أو طلب المصادرة أو غير ذلك ، فعلى سبيل المثال نصت المادة 15 من القانون رقم 103 لسنة 1961 والخاص بإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها دور الأزهر في الرقابة على الكتب والمصنفات الفنية على " "أن مجمع البحوث الإسلامية هو هيئة إسلامية عليا يقوم بدراسة كل ما يتصل بالبحوث والدراسات والشئون الإسلامية ، كما يعمل على تجديد ثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب، كما يختص ببيان الرأي الشرعي في كل ما يستجد من قضايا ومشكلات مذهبية أو اجتماعية تتصل بالعقيدة الإسلامية" وقد جاء نص المادة "17" من اللائحة التنفيذية للقانون المذكور الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975 ليؤكد ويحدد دور مجمع البحوث الإسلامية - خاصة في الفقرة السابقة في المادة سالفة الذكر - في تتبع ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامي من بحوث ودراسات في الداخل والخارج للإنتقاع بما فيها من رأي صحيح أو مواجهتها بالتصحيح والرد ونص المشرع في عجز هذه المادة على أن المجمع في سبيل تحقيق أهدافه وفي حدود اختصاصه أن يصدر توصيات إلى العاملين في مجال الثقافة الإسلامية من الهيئات العامة والخاصة والأفراد . وتشير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان في هذا الصدد إلى حكم محكمة النقض الصادر في 5/12/1982 رقم 2062 لسنة 51حكم والذي أدان بشدة طلب مجمع البحوث الإسلامية التحفظ على كتاب مهما كان وأياً كان موضوعه .
وبرغم صراحة النص ، فإن القائمين على مجمع البحوث الإسلامية يرون أن من حقهم "فحص بعض الكتب والمؤلفات ذات الإطار أو الفكر المرتبط بالإسلام كدين سماوي والتراث الإسلامي المرتبط بالعقيدة الإسلامية ومكوناتها من قرأن وسنة ورصد كل ما يرد فيها ويكون مخالفاً للإسلام أو يتعارض مع نصوص القرآن والسنة وإعداد تقارير تفصيلية بملاحظاتها في هذا الشأن لإرسالها إلى الجهات المختصة والتي غالباً ما تنحصر في الأجهزة الأمنية والنيابة العامة موضحاً فيها التوصيات التي انتهت اللجنة إليها سواء بإجازة الكتاب أو العمل أو بعدم إجازته وذلك في حالة قيام المؤلف أو الكاتب أو المبدع من وجهة نظر أمين عام مجمع البحوث الإٍسلامية بتلفيق الاتهامات ولي أعناق النصوص وتوظيفها في سياقات لم ترد فيها أصلاً تحت شعار"حرية الإبداع" أو تزييف الحقائق الإسلامية ومهاجمة السنة النبوية والصحابة والنبي (ص) باسم حرية الإبداع والمساس بقيم الإسلام وتعاليمه وتقاليد المجتمع والطعن في الثوابت أو خلق الفتن بين إبتاع الأديان والمذاهب المتعددة .
فتوى مجلس الدولة تشعل فتيل الأزمة :
وفي واقع الأمر ، فإنه لم يكن للأزهر دور قانوني في الرقابة على المصنفات السمعية والبصرية ، حتى قام شيخ الأزهر آنذاك في يناير1994 بإرسال خطاب إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة يطالب باستصدار فتوى قانونية حول تحديد اختصاصات كل من الأزهر الشريف ووزارة الثقافة في التصدي للأعمال الفنية والمصنفات السمعية أو السمعية البصرية التي تتناول قضيا إسلامية أو تتعارض مع الإسلام ومنعها من الطبع أو التسجيل أو النشر أو التوزيع والتداول إعمالاً للصلاحيات المخولة لكل منهما بمقتضى القوانين واللوائح .
وفى 10 فبراير 1994 أصدرت الجمعية العمومية برئاسة المستشار طارق البشرى فتوى تؤكد أن الأزهر الشريف هو وحده صاحب الرأي الملزم لوزارة الثقافة في تقدير الشأن الإسلامي للترخيص أو رفض الترخيص بالمصنفات السمعية و السمعية البصرية .
وقالت الفتوى التي اعتبرها البعض في ذلك الوقت مساهمة من مجلس الدولة في هدم أسس الدولة المدنية ومحاولة بعث الدولة الدينية من جديد " أن الأزهر هو الهيئة العليا التي أناطها المشرع الوضعي حفظ الشريعة والتراث ونشرهما وحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب ، وشيخ الأزهر هو صاحب الرأي فيما يتصل بالشئون الدينية ، كما أن مجمع البحوث الإسلامية بما يتبعه من لجان أو إدارات ، ومنها إدارة البحوث والتأليف والترجمة والنشر هو من له ولاية مراجعة المصحف الشريف ، ومن له حق التصدي لفحص المؤلفات والأعمال الفنية التي تتعرض للإسلام وإبداء الرأي فيها ، الأمر الذي يجعل هذه الهيئة هي صاحبة التقدير فيما يتعلق بالشئون الإسلامية، ومن ثم يكون إبداء الأزهر بواسطة هيئاته رأيه في تقدير هذا الشأن ملزماً الجهات التي نيط بها إصدار القرار".
وفي حقيقة الأمر أن هذه الفتوى -التي مازالت تطبق حتى هذا اليوم- تشكل انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير ، فهي خالفت المواد 47-48-49 من الدستور المصري والتي تقر حرية الرأي و التعبير بكافة صورها وأشكالها ، وكذلك حرية الإبداع الفني والأدبي والثقافي ، وجاءت الفتوى أيضاً مناقضة تماماً للمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، والذي أصبح جزء من القانون المصري بعد التصديق عليه .
ومن ناحية ثانية ، قامت الفتوى على أساس التفسير المغرض لقوانين الأزهر ، فلم يرد في قانون الأزهر أية إشارة إلى حقه في المنع ، إلا فيما أوردته المادة 102 وتتعلق بحق الأزهر في الترخيص أو عدم الترخيص بطبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية فقط دون أية مصنفات أخرى .
ضوابط ومعايير جديدة بهدف المصادرة :
وبتولي الشيخ محمد سيد طنطاوي رئاسة الأزهر ، شهد مجمع البحوث الإسلامية في ذلك الوقت تحولاً جديداً تمثل في ممارسته لدور الضابط أو المنظم لحريات التعبير في مجال الكتابة والفنون ومحاولة تقنين إجراء فحص الأعمال الإبداعية في الكتب والأعمال الفنية، ففي عام 2002 -2003 قام أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية بوضع عدة ضوابط ومعايير لفحص الكتب وتم إقرارها بالإجماع وإرسالها وتوزيعها على جميع أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر والفاحصين الذين تستعين بهم اللجنة من الخارج ومناشدتهم ضرورة الالتزام بها عند الفحص .
وقد جاءت المعايير الجديدة متضمنة عدة نقاط سبقتها مقدمة تؤكد على أن دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وأن الأزهر هو الهيئة المنوط بها حراسة الشريعة الإسلامية ومراجعة المواد الفكرية والفنية والأدبية المقرؤة والمسموعة والمرئية في هذا الشأن وانه إيماناً من المجمع بازدهار منظومة القيم الإيمانية التي اتفقت فيها الفطرة السوية مع الديانات السماوية في عقل الأمة ووجدانها، فان المجمع يضع للأساتذة القائمين على فحص الكتب والأعمال الفنية التي تحال إليه لفحصها هذه المعايير الفكرية التي يحسن أن تراعى عند أداء المهمة :
1-ليس من اختصاص المجمع مصادرة الكتب ، فالمصادرة منوطة بالسلطة القضائية بنص القانون ومهمة المجمع هي إبداء الرأي الشرعي فيما يحال اليه .
2- اختلاف المجمع في الرأي أو المذهب مع مؤلف الكتاب لا يمكن أن يكون مبررا للتوصية بحجب الكتاب عن الطبع أو التوزيع فالاختلاف الفكري سنة من سننن الله وكذلك الحال مع الاختلافات المذهبية بين مذاهب الأمة التي استقرت أدلتها في تراث الإسلام فمن حق المذاهب المختلفة أن تعرض أفكارها ورؤاها بعيدا عن القلق والشذوذ
3-أن الأمة بمذاهبها المعتمدة قد اتفقت على أن هناك معلوم من الدين بالضرورة لم تختلف فيه الفطر السليمة لذلك فان المجمع حريص على عدم قبول أي فكر ينقض أو يخالف هذا المعلوم وهو على وجه التحديد ثوابت الإيمان وأركان الإسلام وهى : الأيمان بالله ، وبصفاته وكماله وأسماء الله الحسنى ، والإيمان بالوحي الإلهي والكتب السماوية جميعها والإيمان بجميع أنبياء الله ورسله والإيمان بالغيب والحساب والجزاء وباركان الإسلام الخمسة .
4- أن لكل أمة مقدساتها ومنظومة قيمها وأخلاقيتها ورموزها الدينية والفكرية وبطولاتها التاريخية فإن الحفاظ في عالم الفكر والآداب والفنون على المكانة السامية لهذه المقدسات والقيم والرموز هو مقصد من المقاصد التي تمثل معياراً للقبول والرفض في عالم الثقافة والأفكار وكما أن للأمة ثوابتها الدينية فلها أيضاً ثوابتها الحضارية التي تمثل الجوهر الذي يميزها عن الأمم والحضارات الأخرى عبر الزمان والمكان وهو المعبر عنه بالهوية الحضارية والحفاظ على الهوية الحضارية للأمة احد المقاصد في عالم الثقافة والأفكار .
5-إن إقامة الدين تقتضى الحفاظ على وجود الأمة الإسلامية ونهوضها وتقدمها فان المجمع حريص على رفض كل فكر يشق صف الأمة ويهدد وحدتها سواء جاء هذا التهديد في صورة مذاهب تنتسب إلى الإسلام أو فكر وافد يسعى لتفريق صفوف المسلمين .
6-وان كان واردا في فكر أي مفكر وكتابات أي كاتب اختلاط الغث بالثمين فان ترشيد العمل الفكري موضوع الفحص مقدم على التوصية بحجبه فمهمة الفاحص تصحيح الأخطاء قبل الرفض الكامل للكاتب وذلك إنقاذاً للعمل الفكري وأخذاً بيد الكاتب إما إذا كان الكتاب قد طبع بالفعل فان الموقف يكون الموازنة بين ما في الكتاب من ايجابيات وسلبيات لها علاقة وثيقة بالثوابت يقينا لا ظنا فإذا رجحت كفة الايجابيات أجيز الكتاب وإذا رجحت كفة السلبيات كانت التوصية بعدم الإجازة .
وقد وردت في تلك القواعد العديد من المغالطات ، والتي تؤكد أن الأزهر حتى في عهد الشيخ سيد طنطاوى يرغب في السيطرة على ميادين حرية الفكر والتعبير ليس فقط فيما يتعلق بطريقة تناول الإسلام ولكن بطريقة تناول التاريخ ، وتكشف عبارات الفقرتين الرابعة والخامسة عن ذلك التوجه فمما لاشك فيه أن عبارات مثل ، لان لكل امة منظومة قيمها وأخلاقياتها ورموزها الفكرية وبطولاتها التاريخية ، فإن الحفاظ على عالم الفكر والآداب والفنون على المكانة السامية لهذه المقدسات والقيم والرموز هو مقصد من المقاصد التي تمثل معياراً للقبول والرفض في عالم الثقافة والأفكار ، وكما أن للأمة ثوابتها الدينية فلها أيضاً ثوابتها الحضارية التي تمثل الجوهر الذي يميزها عن الأمم والحضارات الأخرى عبر الزمان والمكان وهو المعبر عنه بالهوية الحضارية والحفاظ على الهوية الحضارية للأمة هو احد المقاصد في عالم الثقافة والأفكار " وتؤكد مثل هذه العبارات على أن الأزهر يمد سلطاته في الرقابة ليس فقط في الشأن الديني ولكن إلى كل ما يمس التاريخ أو الهوية الحضارية أو منظومة قيم الأمة يدخل في اختصاص الأزهر ومراقبته . ويضاف إلى ذلك طلب الأزهر في عهد الشيخ طنطاوى من مجلس الدولة استصدار تلك الفتوى الشهيرة التي تبيح له مد سلطته الرقابية الملزمة إلى المصنفات السمعية والسمعية البصرية ، مما يؤكد وجود رغبة عارمة لدى الأزهر والقائمين عليه - أياً كانوا وكانت درجة سماحتهم - تحكمهم في حريات التعبير وإعادة صياغة عقل الأمة على نحو يساعدهم على السيطرة الدينية عليه.
ومن بين الكتب والمطبوعات الممنوعة والمصادرة بأمر من الأزهر والتي تم رفضها في ضوء المعايير التي وضعها مجمع البحوث الإسلامية في شان فحص الكتب والأعمال الفنية ما يلي :
1 - كتاب " الإجهاض ضرورة قومية والاعتقاد ضرورة علمية " للدكتور " محمد عبد المعطى " والذي تم منعه في عام 2002 بحجة تحيز المؤلف لحرية التفكير دون التمسك بحدود وضوابط أخلاقية أو دينية مع الاعتداد بتغليب مبادئ المصلحة والمنفعة في التفكير والاعتقاد، وهو ما يتنافى مع أصول وأسس الإيمان الصحيح ومخالفته لما ورد في كتاب الله من عدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق باعتبار أن دعوة المؤلف إلى إجهاض النساء الحوامل تتنافى مع صحيح الدين في هذا الشأن علاوة على تهديدها لأمن واستدامة العنصر البشرى في إعمار الكون وعبادة الله وهى الغاية التي خلق الناس من اجلها وعلى ضوء هذه الاعتبارات أوصى مجمع البحوث برئاسة د. محمد سيد طنطاوى بعدم إجازة توزيع الكتاب وتداوله بين الناس.
2- كتاب "الخطاب والتأويل" لـ د. نصر حامد أبو زيد ، ففي السابع والعشرين من شهر نوفمبر 2003 ، أصدر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر قرار يحض فيه على منع الكتاب الصادر في عام 2000 عن "المركز الثقافي العربي" (بيروت - الدار البيضاء)، وجاء في القرار أن أبو زيد طعن في ثابتين من ثوابت العقيدة الإسلامية، وهما التوحيد وحفظ القرآن الكريم، الأمر الذي يمنع تداوله لطعنه في صحيح العقيدة الإسلامية" . وتمثلت الفضيحة المتجددة في أن المجمع استند في قراره هذا إلى تقرير أعده عضو المجمع محمد عمارة والذي خصه أبو زيد في كتابه الممنوع بفصل كامل تناول فيه أعماله بالنقد العميق واللاذع. فإذا بمحمد عمارة هو الخصم والحكم في قضية دنيوية وفكرية، حوّلها الأزهر وعمارة تهمة تكفيرية جديدة في حق أبو زيد تحت حجة واهية تقول بطعنه"في ثابتين من ثوابت العقيدة".
3-كتاب " هذا قرأني " للكاتب محمد عبد الرازق عفيفي وقد رفض المجمع هذا الكتاب في عام 2003 بعد ورود عدة نسخ من الكتاب من قبل موظفي المجمع الذين أعطتهم الدولة حق الضبطية القضائية وقامت لجنة البحوث والتأليف والترجمة بفحصه ، وقررت عدم إجازته نظراً لاحتوائه على المساس بالمقدسات والقيم والرموز التي تمثل الثوابت الحضارية الإسلامية بالإضافة إلى إنكاره للوحي الإلهي وتشككه في سلوك أنبياء الله ورسله ومهاجمته الشرسة للمذاهب الإسلامية بما يتناقض مع مبادئ الإسلام .
4- كتاب " زواج المتعة حلال بين الدين والتطور " للكاتب أحمد محمد سالم فقد رفض مجمع البحوث الإسلامية هذا الكتاب في عام 2003 بسبب مطالبة مؤلفه بإباحة زواج المتعة ، وقال المجمع أن هذا يتعارض مع أسس الزواج الصحيح الذي يدعو إليه القران الكريم بعكس هذا النوع من الزواج الذي يشجع على انتشار قيم المنفعة والمتعة الحسية، مما يهدد استقرار المجتمع وكيانه
5- كتاب " سينمائية المشهد القرأني " للمؤلف ياسر أنور رفض هذا الكتب في عام2003 والذي حاول مؤلفه إثبات سبق القران الكريم السينما التي تعتمد في مخاطبة المشاهد على الصورة والإيقاع والوجدان، وأكد أن آيات القران الكريم تحمل في طياتها مشاهد سينمائية بالغة الدلالة ولكن جاء رفض مجمع البحوث لهذا الكتاب بحجة إساءة القران لجلال القرآن الكريم وهيبته والاستهزاء بالسلف الصالح .
6- وصايا في عشق النساء - ديوان شعر احمد الشهاوى
برغم من أن مجمع البحوث قد انتهى إلى إمكانية الاقتباس من القران الكريم وفقاً لشروط محددة، إلا أن المجمع طالب بمصادرة هذا الديوان بحجة أنه اقتبس من القران الكريم رغم أن الشاعر وضع النصوص المقتبسة بين هلالين .
ففي نهاية عام 2003 وجه النائب عن جماعة "الأخوان المسلمين" مصطفى محمد مصطفى سؤالاً برلمانياً إلى رئيس مجلس الوزراء عاطف عبيد عن أسباب إنفاق الدولة على ديوان يستهين بالدين ويستفز مشاعر المسلمين، في إشارة منه إلى طبع هيئة الكتاب التابعة لوزارة الثقافة ديوان الشاعر أحمد الشهاوي، "وصايا في عشق النساء". وعلى الأثر، أصدر مجمع البحوث الإسلامية تقريره في حق الشاعر وطالب بمنع ديوانه وأوصى بعدم طباعته من خلال هيئة الكتاب. ووجّه الأزهر في هذا التقرير انتقادات عنيفة إلى مؤسسات الدولة المصرية، واستغرب أن تتبنى مؤسسة رسمية "نشر العبث بآيات القرآن وأحاديث النبي". وجاء في التقرير أن ديوان الشهاوي "يحتوي على وصايا كلها موجهة إلى المرأة تدعوها إلى الذوبان في العشق، وأن تسلّم نفسها وجسدها بغير تحفظ ولا تستحي من فعل خطر لها". ولفت التقرير إلى أن في الكتاب "تمجيداً للذة الجسدية ويسوق آيات القرآن في غير مواضعها ويستشهد بها مع عبارات الفجور والفسق والتعري، واستعمال أحاديث النبي وإخراجها عن معناها لتكون في نطاق الدعوة إلى الاستمتاع، واستعمال أوصاف الله تعالى في وصف المعشوقة وإسناد أفعال الله إليها ما يكاد يكون كفراً صريحاً... والاستشهاد بكلام أهل التصوف ونقل معناه إلى ما يدعو إليه من عشق الذكر والأنثى... والدعوة الفاضحة إلى الفسق والتجرد من الحياء... واستعمال الكنايات أحياناً لكنها فاضحة مفضوحة". وأضاف: "لا ندري أي قيمة أو دعوة نافعة أو فائدة وراء طبع هذا الكتاب ونشره، وهل مثل هذه المنشورات تنفع الأمة وتحمي شبابها من المزالق والمهالك، أم أنها تفتح باب الفسق والفجور والفاحشة أمام شباب محروم، عاجز عن أن يجد ما ينشئ به أسرة لها حقوق وعليها واجبات لتكون إحدى لبنات الوطن"؟ وخلص التقرير إلى "أن ما يشتمل عليه الكتاب من عبث بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأعظم والتجرؤ على أوصاف الله وخلعها على الأنثى المعشوقة وتحريف معان لدى المتصوفين واستعمال عباراتهم في غير ما قصدوه، ذلك كله يدعو المنصفين الذين يخافون على مستقبل هذه الأمة في شبابها إلى منع نشر هذا الكتاب وتداوله".
وبمعزل عن الوصاية التي يمارسها مجمع البحوث الإسلامية على من يسمّيهم " الشباب المحروم والعاجز عن أن يجد ما ينشئ به أسرة"، والذي لا يكلف المجمع نفسه عناء السؤال عن سبب حرمانهم وفقرهم، فإن منهج التفكير الذي يبني عليه المجمع تقريره حول ديوان الشهاوي والحجج التي يوردها في هذا السياق، كفيلة، إن هي طبقت على موروثنا الأدبي والديني، أن تمنع ليس فقط كتب أبو نواس وعمر بن أبي ربيعة والمتنبي وابن حزم والمعري و"ألف ليلة وليلة"، ولكن أيضا كتب ابن العربي وجلال الدين الرومي والحلاج، لما فيها من كلام عن العشق والتوحد والوله.
وقد بلغ الأمر ذروته مع رواية " وليمة لأعشاب البحر" للأديب السوري حيدر حيدر التي نشرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة ، فما أن أصبحت الرواية التي سبق نشرها في بيروت مطلع الثمانينات من القرن العشرين بين أيدي القراء ، حتى كتب محمد عباس مقال تحريضي بصحيفة الشعب اتهم فيه الكاتب بالكفر لأنه تطاول على الذات الألهية وهاجم وزارة الثقافة لأن الكتاب صادر عن إحدى هيئاتها ، وعلى الفور اندلعت مظاهرات بالحرم الجامعي للأزهر وانتهت مشاهد الاحتجاج المتكررة المصحوبة بجدل واسع النطاق بين النخبة الفكرية حول حدود حرية التعبير والإبداع إلى إغلاق جريدة "الشعب " وتجميد نشاط حزب العمل ، ولم تمر سوى أِشهر قلائل حتى تفجرت أزمة أخرى سميت بـ" أزمة الروايات الثلاثة" التي صدرت عن هيئة قصور الثقافة وانتهى الأمر بإقالة رئيس الهيئة علي أبو شادي ومنع توزيع هذه الروايات وتقديم اثنين من المسئولين عن سلسلة "أصوات أدبية" التي صدرت الروايات في إطارها ، إلى المحاكمة وهما الروائيان إبراهيم أصلان وحمدي أبو جليل
|
|
موضوع صادر عن :
المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
8/10 شارع متحف المنيل - منيل الروضة - القاهرة - مصر
هاتف : 3636811 - 3620467(202 )
فاكس : 3621613( 202)
|
|